تشهد منظومة الإنتاج الحيواني بالمغرب حالة من الارتباك المتزايد في ظل النقص الحاد الذي تعرفه الأعلاف المركبة، وهو وضع لا يقتصر أثره على قطاع الدواجن فقط، بل يمتد ليشمل الأبقار الحلوب وعجول التسمين والأغنام والماعز، بما يهدد استقرار سلاسل التزويد باللحوم الحمراء والبيضاء ومنتجات الحليب، حيث يأتي هذا التطور في سياق حساس يتزامن مع ارتفاع الطلب الموسمي، واقتراب شهر رمضان، وتنامي المخاوف من انعكاس ذلك على الأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين، في ظل اضطراب الإمدادات وارتفاع كلفة المواد الأولية المستوردة.
وفي مقابل هذا المشهد الضاغط، تتعالى أصوات المهنيين والجمعيات البيمهنية مطالبة بتدخل حكومي عاجل لتأمين التزود بالمواد الأساسية، وتطوير آليات التخزين الاحترازي والبنية التحتية المينائية، تفاديًا لأي انقطاعات مستقبلية قد تعمق الأزمة، وغير أن التساؤل يظل قائمًا حول مدى نجاعة الاستراتيجيات الحالية في حماية المربين من الإفلاس وضمان استمرارية الإنتاج، وحول ما إذا كانت السياسات العمومية قادرة على تحقيق التوازن بين متطلبات السوق وحماية الأمن الغذائي والسيادة الغذائية للمملكة في ظل التحديات المناخية والجيوسياسية المتسارعة.
أزمة الأعلاف تضع قطاع الدواجن على حافة الانهيار والمهنيون يطالبون بتدخل حكومي
❖ سياق موسمي
يرى رياض وحتيتا، الخبير الزراعي والمستشار الفلاحي، أن الأمطار الأخيرة التي عرفتها المملكة بعثت أملاً واسعًا لدى المستهلك المغربي، الذي ينتظر دائمًا انعكاس هذه التساقطات على الأسعار في الأسواق؛ سواءً تعلق الأمر باللحوم الحمراء أو البيضاء أو الخضر والفواكه.
وأبرز وحتيتا في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا الأمل يصطدم بواقع أكثر تعقيدًا، إذ إن التأثير الإيجابي للأمطار لا يكون فوريًا، ولا ينعكس بالضرورة على المدى القريب؛ خاصة فيما يتعلق بالثروة الحيوانية.
وأكد أن الموسم الحالي مرتبط بشكل عضوي بالموسم الماضي، الذي كان بدوره موسمًا جافًا، ما جعل المخزون العلفي ضعيفًا أو شبه منعدم، لافتًا إلى أن الثروة الحيوانية اليوم لا تعتمد على إنتاج هذا الموسم فقط، بل على أعلاف ومواد علفية تعود إلى السنة الماضية؛ سواءً كانت منتجة محليًا أو مستوردة.
وأوضح الخبير الزراعي والمستشار الفلاحي، أن هذا الارتباط الزمني بين المواسم يجعل من الصعب الحديث عن تحسن سريع في أسعار اللحوم أو استقرار في الإنتاج الحيواني خلال الفترة القريبة المقبلة.
وأردف أن هذه الوضعية تضع المستهلك والمهنيين معًا أمام معادلة صعبة؛ تتمثل في وجود أمطار تبعث على التفاؤل من جهة، وملامسة واقع إنتاجي هش من جانب آخر.
وأشار إلى أن ذاك، يجعل الانتظارات الشعبية أكبر من قدرة المنظومة الحالية على الاستجابة السريعة؛ خاصة في ظل تراجع المخزون وتزايد الاعتماد على الأعلاف المستوردة.
❖ محدودية الدعم
يتوقف وحتيتا عند آليات الدعم التي تم اعتمادها في الفترة الأخيرة؛ سواءً من خلال استيراد الأغنام أو عبر الدعم المباشر الموجه للكسابة، معتبرًا أن هذا الدعم، رغم أهميته الظرفية، يظل غير كافٍ لتغطية الحاجيات الحقيقية للقطيع الوطني.
وأوضح الخبير الزراعي والمستشار الفلاحي، أن ما يتم تقديمه لا يتجاوز في أفضل الأحوال ما يكفي لفترة لا تتعدى خمسة عشر يومًا من حاجيات كل رأس من الأغنام.
وأشار إلى أن وقف دعم الشعير وتعويضه بدعم مباشر لم يحقق النتائج بعيدة المدى التي كان ينتظر منها أن تحمي الثروة الحيوانية بشكل مستدام، واصفًا هذه المقاربة بأنها تندرج ضمن ما يسميه “الإجراءات الترقيعية”، التي تعالج الأزمة في ظاهرها.
القرار الملكي بعدم ذبح أضحية عيد الأضحى.. هل تسهم الخطوة في إعادة بناء القطيع الوطني؟
واستطرد قائلاً إنها لا تمس جذور الأزمة البنيوية المرتبطة بالأعلاف، والمخزون الاستراتيجي، وتكاليف الإنتاج، وتبعية السوق المحلي للمواد الأولية المستوردة.
وحذر من أن استمرار هذا النمط من التدخلات قد يؤدي إلى إنهاك المربين الصغار والمتوسطين، الذين يجدون أنفسهم أمام ارتفاع مستمر في التكاليف مقابل دعم محدود الأثر، ما يهدد بتراجع أعداد القطيع على المدى المتوسط، ويزيد من هشاشة منظومة الأمن الغذائي الوطني.
❖ بدائل علفية
في مقابل هذا الوضع، يدعو وحتيتا إلى تغيير زاوية النظر في التعامل مع ملف الأعلاف، من خلال التوجه نحو حلول أكثر استدامة وأقل كلفة؛ سواءً من حيث الموارد المالية أو استهلاك المياه.
وأكد على أن الحفاظ على الثروة الحيوانية لا يمكن أن يتحقق فقط عبر الاستيراد أو الدعم المؤقت، بل عبر الاستثمار في الأعلاف البديلة التي تتلاءم مع الخصوصيات المناخية والبيئية للمغرب.
غلاء اللحوم الحمراء رغم وفرة القطيع.. اختلال ظرفي أم تحول بنيوي؟
ومن بين هذه البدائل، يشير إلى غرف استنبات الشعير، التي تتيح إنتاج أعلاف خضراء في ظروف مراقبة وباستهلاك مائي محدود، إضافة إلى بعض النباتات العلفية الحديثة التي بدأت تعتمدها فئة قليلة من المهنيين، مثل “البونيكام” و”البراشاريا”.
ووصف هذه الأصناف بأنها ذات مردودية عالية مقارنة بالأعلاف التقليدية كالفصة والخرطال، فضلًا عن كونها أقل استهلاكًا للماء وأكثر قدرة على التأقلم مع التغيرات المناخية.
واعتبر أن تعميم هذه التجارب وتوسيع نطاقها يمكن أن يشكل خطوة استراتيجية نحو تقليص التبعية للأعلاف المستوردة، وتعزيز السيادة الغذائية الوطنية؛ شريطة أن يتم ذلك في إطار سياسات تحفيزية واضحة، وبرامج تأطير ومواكبة تقنية للمربين والفلاحين.
❖ إنتاج الدواجن
بالنسبة لقطاع الدواجن، يوضح وحتيتا أن هذه الفترة من السنة تعد تقليديًا مرحلة حساسة، نظرًا لبرودة الطقس وانتشار بعض الأمراض التي تؤثر بشكل مباشر على معدلات الإنتاج.
وأكد الخبير الزراعي والمستشار الفلاحي، على أن إنتاج اللحوم البيضاء يكون عادة أقل خلال هذه المرحلة، ما ينعكس على حجم المعروض في الأسواق.
وربط وحتيتا هذا المعطى الموسمي بتزامن شهر رمضان، الذي بات يعود تدريجيًا إلى فترات أكثر برودة مقارنة بالسنوات التي صادف فيها الصيف.
أزمة قطاع الدواجن بالمغرب.. فوضى السوق أم غياب سياسة استباقية؟
وهذا التزامن بحسبه، يخلق ضغطًا مزدوجًا؛ من جهة تراجع طبيعي في الإنتاج، ومن جانب آخر ارتفاع في الطلب الاستهلاكي المرتبط بالعادات الغذائية خلال الشهر الفضيل.
وأضاف أن هذا الوضع يفسر إلى حد كبير الاضطرابات المتكررة في أسعار الدواجن خلال هذه الفترة من كل سنة، معتبرًا أن التعامل مع هذه الإشكالية يتطلب مقاربة استباقية، تشمل تعزيز شروط الوقاية الصحية داخل الضيعات.
وأوضح أن الأمر، يتعلق أيضًا بتحسين ظروف التربية خلال الفترات الباردة، إلى جانب ضمان استقرار إمدادات الأعلاف، التي تشكل بدورها عنصرًا حاسمًا في كلفة الإنتاج.
❖ خُضر أساسية
ينتقل وحتيتا إلى الحديث عن الخضر الأساسية في المائدة المغربية، وعلى رأسها الطماطم، التي يعتبرها مثالًا واضحًا على التأثر بالعوامل الموسمية.
وأشار إلى أن هذه الفترة من السنة تشهد غالبًا تراجعًا في إنتاج الطماطم، وهو ما انعكس خلال السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة في شكل ارتفاع ملحوظ في الأسعار وقلة في العرض.
غلاء الطماطم بين الجملة والتقسيط.. تقلب موسمي أم اختلالات أعمق؟
واعتبر أن هذا التراجع لا يرتبط فقط بالظروف المناخية، بل أيضًا بدورة الإنتاج الزراعي نفسها، التي تجعل بعض الزراعات أكثر هشاشة في مواجهة البرد والرطوبة والأمراض الفطرية التي تنتشر خلال هذه المرحلة.
وأردف الخبير الزراعي والمستشار الفلاحي، أن هذه العوامل مجتمعة تضع السوق أمام وضعية غير مستقرة؛ خاصةً عندما يتزامن ذلك مع فترات استهلاك مرتفع مثل شهر رمضان.
وأكد على أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب استثمارات أكبر في تقنيات الإنتاج المحمي، وتطوير سلاسل التوزيع والتخزين، بما يسمح بتقليص الفوارق بين فترات الوفرة والندرة، وضمان استقرار نسبي في الأسعار على مدار السنة.
❖ تحديات ميدانية
فيما يتعلق بمحاصيل أخرى مثل البطاطس والبصل، يوضح وحتيتا أن الإشكاليات المطروحة تختلف نسبيًا، إذ لا ترتبط فقط بالتساقطات المطرية، بل بعوامل ميدانية تتعلق باليد العاملة واللوجستيك.
وأشار إلى أن بعض الفلاحين فقدوا جزءًا من محاصيلهم بسبب الأمراض الفطرية والرطوبة المفرطة، في حين تواجه عملية الجني نفسها صعوبات كبيرة في ظل الأراضي الموحلة والظروف المناخية القاسية.
وأضاف أن نقص اليد العاملة يمثل بدوره تحديًا إضافيًا، حيث يميل العديد من العمال الزراعيين إلى التوجه نحو زراعات أخرى أسهل من حيث الجني، مثل الحوامض، التي لا تتطلب نفس الجهد البدني أو الظروف التقنية المعقدة التي تفرضها محاصيل كالبطاطس.
وشدد أن هذه العوامل مجتمعة تؤثر على الكلفة النهائية للمنتج، وعلى حجم العرض في الأسواق، ما ينعكس في نهاية المطاف على المستهلك؛ خاصة في الفترات التي يزداد فيها الطلب.
❖ آفاق الأسعار
يشير وحتيتا إلى أن الفترة الفاصلة عن شهر رمضان قد تحمل بعض المؤشرات المتباينة، فإذا ما تحسنت الظروف الجوية وارتفعت درجات الحرارة نسبيًا، فقد تعود اليد العاملة إلى الحقول، وتتحسن ظروف الجني والإنتاج، وهو ما يمكن أن ينعكس إيجابًا على بعض الأسعار.
وحذر في الوقت نفسه من المبالغة في التفاؤل، مؤكدًا أن الإشكاليات البنيوية المرتبطة بالأعلاف والمخزون وتكاليف الإنتاج، لا يمكن تجاوزها بتغير ظرفي في الطقس أو بإجراءات مؤقتة.
وشدد على أن الرهان الحقيقي يكمن في بناء منظومة زراعية وإنتاجية أكثر مرونة واستدامة؛ قادرة على الصمود أمام التقلبات المناخية والجيوسياسية، وضمان الأمن الغذائي والسيادة الغذائية للمملكة على المدى البعيد.
وأبرز أن الأزمة الحالية رغم حدتها، يمكن أن تشكل فرصة لإعادة التفكير في السياسات الفلاحية والغذائية، وتوجيهها نحو خيارات استراتيجية توازن بين حماية المربين، واستقرار السوق، وضمان حق المستهلك في الولوج إلى منتجات غذائية بأسعار معقولة وجودة مستقرة.

