أعلن عزيز أخنوش، رئيس الحكومة والأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار، عن عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس الحزب، واضعًا حدًا لعشر سنوات من القيادة التنظيمية، ومؤكدًا فتح الباب أمام اختيار قيادة جديدة خلال مؤتمر استثنائي مرتقب، حيث إن هذا القرار الذي وصف بالنهائي، يأتي في ظرفية سياسية دقيقة تتزامن مع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، وفي ظل نقاش متصاعد حول حصيلة الأداء الحكومي ومسار الحزب داخل المشهد السياسي الوطني.
ويفتح هذا الإعلان نقاشًا سياسيُا واسعًا حول دلالاته العميقة وحدود طابعه الطوعي، كما يستدعي قراءة هادئة لسياقه الزمني والتنظيمي وتأثيره المحتمل على توازنات الحزب ومستقبله الانتخابي، إذ إن الخطوة بما تحمله من رمزية نادرة في الحياة الحزبية المغربية، تطرح تساؤلات حول ما إذا كانت تعبيرًا عن ترسيخ للتداول القياد، أو محاولة استباقية لتدبير الكلفة السياسية للمرحلة المقبلة، أو مدخلاً لإعادة ترتيب الأدوار داخل الحزب قبيل استحقاقات حاسمة.
عزيز أخنوش يرفض “الولاية الثالثة” ويعلن مغادرته لرئاسة “الأحرار” بنهاية ولايته
❖ قرار مفاجئ
يعتبر محمد شقير، الباحث في العلوم السياسية، أن قرار عزيز أخنوش عدم الترشح لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، وإن بدا مفاجئًا في ظاهره، إلا أنه يحمل في عمقه الكثير من المؤشرات التي توحي بكونه قرارًا مدروسًا أكثر مما هو رد فعل آني.
وقال شقير في تصريح لجريدة “شفاف”، إن السياق العام الذي سبق الإعلان؛ سواءً على المستوى الاجتماعي أو السياسي، كان مشحونًا بالاحتقان، خاصة بعد التعبيرات الشبابية التي خرجت إلى الشارع، وما رافقها من جدل واسع حول عدد من القرارات والسياسات الحكومية التي ارتبطت مباشرة بصورة أخنوش.
الدخول السياسي الجديد.. ملفات ثقيلة وتحديات كبيرة تنتظر حكومة أخنوش
وأضاف أن هذه التعبيرات لم تبقَ في حدود الفضاء الميداني فقط، بل تحولت إلى مادة دسمة داخل وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تكرست صورة سياسية سلبية عن رئيس الحكومة، واستعمل اسمه كعنوان للنقد والاحتجاج؛ سواءً تعلق الأمر بغلاء المعيشة أو بالدعم أو بملفات اجتماعية حساسة.
وهذا التراكم في الشهور الأخيرة، في نظر الباحث في العلوم السياسية، جعل الحزب يعيد حساباته بخصوص كلفة استمرار أخنوش على رأس التنظيم، خاصة في أفق انتخابات تشريعية حاسمة؛ المرتقبة قبل نهاية هذه السنة.
ومن هذا المنطلق، يرى شقير أن قرار عدم الترشح لا يمكن فصله عن هاجس النتائج الانتخابية المقبلة، إذ إن استمرار أخنوش؛ سواءً عبر ولاية ثالثة أو حتى تمديد تقني لستة أشهر كما كان مطروحًا سابقًا، قد يؤثر سلبًا على حظوظ الحزب في تصدر الانتخابات.
وأشار المحلل السياسي إلى أن الأحزاب السياسية لا تشتغل فقط بمنطق الولاء للقيادات، بل أيضًا بمنطق الربح والخسارة الانتخابية، وهو ما يبدو أنه كان حاضرًا بقوة في هذا القرار.
❖ حسابات الدولة
إلى جانب الاعتبارات الحزبية، يلفت محمد شقير إلى عامل آخر لا يقل أهمية، ويتعلق بما يسميه بـ“صانع الخريطة السياسية” أو الدوائر العليا لصنع القرار، موضحًا أن هناك عرف سياسي ترسخ في المغرب منذ سنوات؛ مفاده أن رئيس الحكومة لا يتصدر ولايتين متتاليتين، وهو ما تجسد منذ تجربة عبد الإله بنكيران.
وأبرز الباحث في العلوم السياسية أن هذا العرف السياسي، وإن لم يكن منصوصًا عليه دستوريًا، أصبح بشكل واضح قاعدة غير مكتوبة تحكم تداول السلطة التنفيذية ببلادنا.
الحصيلة المرحلية لحكومة أخنوش.. ماذا تحقق وهل فعلا وفت الحكومة بوعودها الانتخابية؟
وأشار إلى أن هذا المعطى يجعل من غير الملائم في نظر هذه الدوائر، أن يعاد تصدر أخنوش للحكومة أو للحزب في المرحلة المقبلة، معتبرًا أنه حتى لو توفرت الشروط التنظيمية، يبقى القرار السياسي خاضعًا لتوازنات أوسع تتجاوز الحزب نفسه.
وأردف أنه من هنا، يبرز أن قرار أخنوش قد يكون نتاج تقاطع بين قناعة داخلية للحزب وإشارات خارجية تفيد بعدم الرغبة في استمراره كواجهة سياسية للمرحلة القادمة.
واستطرد أن الحزب كان واعيًا بخطورة تكرار سيناريو أحزاب أخرى، مثل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أو حزب التقدم والاشتراكية، التي لجأت في فترات سابقة إلى تعديل أنظمتها الداخلية فقط لتمكين قياداتها من ولاية ثالثة، وهو ما انعكس سلبًا على صورتها ومصداقيتها.
وأوضح أن الامتناع عن تعديل النظام الداخلي، كما صرح به أخنوش نفسه، يحمل رسالة سياسية مفادها أن حزب التجمع الوطني للأحرار لا يريد أن يسلك المسار ذاته.
❖ صِدق الإعلان
رغم كل هذه المؤشرات، لا يستبعد محمد شقير، من زاوية التحليل السياسي، فرضية أن يكون الإعلان جزءًا من تكتيك سياسي أو ما سماه بـ“الهزة النفسية”، وهي أساليب معروفة في الممارسة السياسية المغربية، حيث يعلن الزعيم رغبته في التنحي قبل أن يعاد الالتفاف حوله.
وفي هذا السياق، استحضر الباحث في العلوم السياسية تجارب سابقة شهدها المشهد الحزبي بالمغرب؛ مثلما هو الأمر مع كل من بنكيران (حزب العدالة والتنمية)، وإدريس لشكر (حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية)، ومحمد نبيل بنعبد الله (حزب التقدم والاشتراكية)؛ ما يجعل وفقه الحذر واجبًا في قراءة أي إعلان من هذا النوع.
وغير أن شقير يعود ليؤكد أنه يميل إلى اعتبار إعلان أخنوش صادقًا هذه المرة، بالنظر إلى المعطيات المرافقة له، وعلى رأسها فتح باب الترشيحات بشكل فعلي ابتداءً من يومه الإثنين، وهو ما يؤشر على أن الحزب دخل بالفعل مرحلة انتقالية حقيقية.
تصاعد الخلافات داخل التحالف الحكومي.. هل نحن أمام أزمة حقيقية أم تنافس انتخابي مبكر؟
وأبرز الباحث في العلوم السياسية، أن فتح المجال أمام مرشحين جدد لرئاسة الحزب، في هذا التوقيت بالذات، يعكس بشكل واضح استعدادًا تنظيميًا لخوض الاستحقاقات الانتخابية المقبلة بقيادة جديدة.
وأضاف أن عنصر المفاجأة لا يكمن فقط في مضمون القرار، بل في توقيته أيضًا، إذ جاء في لحظة كان فيها أخنوش يترأس اجتماعات الحزب بشكل عادي، قبل أن يفاجئ الجميع بإعلانه النهائي.
وأشار إلى أن هذا المعطى، يعزز فرضية أن القرار لم يكن نتيجة ضغط داخلي مباشر من أجهزة حزب التجمع الوطني للأحرار، بقدر ما كان ثمرة حسابات سياسية دقيقة خلال هذه المرحلة.
❖ كلفة الاستمرار
من بين النقاط المركزية في تحليل محمد شقير، تأكيده على أن أخنوش أصبح في نظر جزءٍ من الرأي العام والمؤسسات “وجهًا محروقًا سياسيًا”، مبرزًا أن التعبيرات الشعبية الأخيرة، وما تبعها من قرارات كبرى اتخذها الملك، مثل إلغاء شعيرة ذبح الأضحية، وإعادة النظر في سياسات الدعم، وتسريع إصلاح قطاعات الصحة والتعليم، كلها مؤشرات على أن المرحلة المقبلة تتطلب وجهًا جديدًا قادرًا على امتصاص الغضب الاجتماعي وتغطية اختلالات المرحلة السابقة.
حكومة أخنوش بين تحديات الواقع وتصعيد المعارضة والنقابات.. قراءة في حيثيات الأزمة السياسية
ولفت إلى أن استمرار أخنوش في رئاسة الحكومة لم يعد خيارًا مطروحًا، ليس فقط بسبب الانتقادات، ولكن لأن منطق الحكم في المغرب يفضل ضخ دماء جديدة في الواجهة التنفيذية عند كل مرحلة مفصلية، معتبرًا أنه حتى مع الاعتراف بوجود منجزات وقرارات اتخذت خلال ولايته، يبقى العرف السياسي أقوى من التقييم التقني للأداء.
وفي هذا الإطار، يعتبر الباحث في العلوم السياسية أن إبعاد أخنوش عن رئاسة الحزب هو مؤشر قوي على أنه لن يعود لتصدر الحكومة في ولاية جديدة، مبرزًا أن الحزب وفق هذا المنطق، قد يكون أفضل انتخابيًا بدون أخنوش، لأن وجوده يمنح الخصوم مادة جاهزة لمهاجمة التجمع واستهداف حصيلته الحكومية.
❖ خليفة محتمل
فيما يخص مستقبل القيادة داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، يفتح محمد شقير الباب أمام عدة سيناريوهات، فالتاريخ التنظيمي للحزب يظهر أن قياداته غالبًا ما ارتبطت بعالم المال والأعمال؛ سواءً في تجربة صلاح الدين مزوار أو عزيز أخنوش، مع حضور قوي للذراع الاقتصادي ممثلاً في الاتحاد العام لمقاولات المغرب (CGEM).
وغير أن المرحلة المقبلة، بحسب شقير، قد تشهد صعود نموذج مختلف، يجمع بين البعد التكنوقراطي والشرعية السياسية، لافتًا إلى أنه في هذا السياق، يبرز اسم فوزي لقجع كأحد السيناريوهات المطروحة بقوة، خاصة بالنظر إلى قربه من حزب “الأحرار”، وعلاقته المتينة بأخنوش، فضلاً عن رصيده من الإنجازات في تدبير المالية العمومية وملف كرة القدم، وهو ما يمنحه جاذبية كبيرة داخل الهيئة الناخبة للحزب.
مشروع قانون مالية 2026 بين طموح النمو وتقليص العجز.. هل تنجح الحكومة في تحقيق المعادلة الصعبة؟
ولا يستبعد المحلل السياسي أيضًا بروز أسماء أخرى من داخل الحزب، مثل نادية فتاح أو محمد بوسعيد أو مولاي حفيظ العلمي، أو من خارجه نسبيا؛ مثلما هو الأمر مع شكيب لعلج، رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب.
واعتبر أن كل هذه السيناريوهات تبقى مفتوحة، وأن الحسم النهائي سيكون عبر مسطرة الترشيحات والانتخابات الداخلية، التي ستمتد آجالها إلى غاية 28 يناير 2026 وفق بلاغ الحزب، مشددًا على أن هوية القيادة المقبلة ستعكس التوجه الحقيقي للتجمع الوطني للأحرار.

